|
أحمد بزون عباس بيضون والزاوية
المصدومة هذه
الزاوية اخترعها عباس بيضون، وقد اتفقنا مؤخراً ألاّ تذهب في إجازة مع صاحبها، وألاّ
تنتظره ليعود، أو تخضع لمزاجه. هذه الزاوية وجدت ليبقى نبضها وتستمر مشاغبتها وضحكها
ونقدها وسخريتها السوداء والبيضاء والرمادية. اليوم موعد عباس في «الإشكال». كنا نذكّره
به عندما يصل يوم الأحد إلى المكتب، وغالباً ما كان يضرب رأسه بيده شاتماً ذاكرته المثقوبة،
ويقول امهلوني عشر دقائق ويكون النص معكم، ولا ينسى أن يقول: «صرت مهنياً زيادة على
اللزوم»... اليوم لم يكتب عباس بيضون «إشكاله» ولم ينسَ، لكننا نحن ضربنا رؤوسنا، وضرب
كفاً بكف العديد ممن ينتظرون دبابيس نقده وسخريته، خائفين أو مهللين. كان
يمكن لعباس أن يكتب «إشكاله» من المستشفى، لو أن الأطباء فكوا عن دماغه رباط المورفين.
فهو لا يحتاج إلى الوقوف أو الجلوس كي يكتب، فوجع الظهر المزمن صالحه مع الكتابة ممدداً
على السرير، أو على صوفا المكتب. أملنا
أن عباس لن يتأخر عن الكتابة، اطمئنوا، أصدقاء وخصوماً، إنْ خانته رجلاه في معاودة
«المشي المقدس»، فإن يده معه، ونحن حواليه، وسوف يكتب عن حادث «تافه» عاكس رياضته المسائية،
أو عن قضية كبرى تخرج من تفصيل بسيط في السرير. وسوف لن يترك للثقافة وحدها أن تلوّن
حبره، فالسياسة متربعة أيضاً في ذاكرته وله فيها قول كثير، لأنه، أساساً، لا يطمئن
عليها في أحضان السياسيين، ولا بين أقلام المحللين السياسيين. لن
يتأخر عباس عن الكتابة، خصوصاً كتابة هذه الزاوية، التي أرادها مشاكسة، ومساحة «للزعرنة»
أحياناً، ومسرحاً للأسئلة المفتوحة على السخرية والغضب وصيد الهفوات، والغوص الحر في
شؤون وشجون الثقافة، حتى لو أدت الحرية إلى بعض الفوضى، فلا بأس ببعضها، الذي يكون
أحياناً أهم من النظام، بحسب عباس. لا
نستطيع أن نسلّم هذه المساحة لأصدقاء عباس، فصفحات الجريدة كلها لا تكفي ليعبروا يومياً
عن علاقتهم به، وحاجتهم إليه، وتمسكهم بصحته، والدعاء له بالشفاء، ورغبتهم في أن يسمعوا
ويقرأوا، في أقرب وقت، تعليقاته الساخرة التي تتفتق بالضحك. هذه
الزاوية تنتظر عباس بيضون بشوق ولهفة وتعطش. هي زاوية مصدومة مثله، ومثل أصدقائه، الذين
لم نكن نتخيل أن يصلهم هول الحادث بهذه السرعة، وأن تنقله وسائل الإعلام، وتتناقله
الوسائط الالكترونية بهذا الأسف وهذا الحب. لن
نخفيك يا عباس أن كثافة الاتصالات، منذ الصباح الأول الذي طلع على وجهك المثلّم بالألم،
كانت أكثر من طاقتنا على التحمّل، وأن المتصلين من لبنان وأنحاء العالم، على مدار الساعة،
لم يكن يهمهم إلا الاطمئنان على صحتك وقلمك وروحك وجسدك وضحكتك. ونحن موعودون بأن عينيك
وضحكتك سوف تتفتح معاً، وردَ وفاء لأصدقائك ومحبيك وقرائك ومريديك.. والجميلات التي
تعبر قبلاتك فوق خدودهن.
(عن السفير). |